”فلتنم
صاحٍ أنا.. صاحٍ أنا.. صاحٍ أنا حتى العدم“
_محمود درويش_
دعني أنمّ فلقد صارت عيوني حجراً لكثرة ما سهرت
يجيء الليل فيتربع فوق جفنيّ قطٌ أسود
جفوني التي صارت غليظة
كقطعةِ قماشٍ جلدية
والقط يحك مخالبهُ يتمدد ويموء
دعني أنام قليلاً لأستريح
من صدى صوت الذكرى
ذاك الذي يشبه صوتك الليلي البارد
يخاطبني بهدوء يمتزج بخلايايّ العصبية
صوتك الذي صار مرادفاً لإسمي
إسمي الذي صار غريباً عني
لا تنادوني بأسمي إنه يشبه صوته
دعوني أنام ولو ساعة..
أوصيهم وأذهب لفراشي
لا أحد يوقظ فيّ الذكرى
أوصيهم وأذهب لأصارع الحنين
وأخسر ويفوز
ويصعد فوق صدري ليرفع راية نصره
والقط الأسود يتمدد ويموء
ووجهك معلقٌ أمامي كقطعة فنٍّ متقن
لرسام مات من الحزن
وجهك الذي يوقد في روحي كل حرائقها
أشعل في قلبي فتيل اللهفة
و زيت قلبي نفد وإحترق الفتيل
وإنطفأت روحي وذبلت خضرتها
وحدها الحرائق مازالت تشتعل والحنين
أدير وجهي لئلا أنظر لوجهك المعلق
كلوحة العشاء الأخير
والقط الأسود مازال يموء ويتمدد
وتلمح عيني ظلاً خلف النافذة
بجانب السرير يجلسُ قديس
يعرفني
_رأيته أو خُيل لي_ واضعاً يده فوق جبيني
يتلو آياتٍ من ذهب
أغمضتُ عيني وأفقت
والقديس كان قد رحل
والظل خلف النافذة
والقط يموء
دعني أنام أرهقني السفر
جسدي ممددٌ هنا وقلبي في بيتٍ آخر يحوم
و روحي في بلدٍ أخرى
متشظية أنا وقلبي منشطر
بعيدةٌ أنا ومقصية عن أجزائي
وهذا البعد يرهقني حد الموت
”الذين يحبُّونني لا يتركون لي فرصة للموت“
_يقول شاعر_
والقط مازال يحك مخالبه
وجفوني تزداد غلاظة وأنا لا أنام
وحده صوت الصمت يتكلم ويبكيني
أبكي كثيراً هذه الأيام
حتى و إن بدا وجهي هادئاً وعيوني جافة
فإن كل ما في داخلي يبكي
حين أستيقظ صباحاً وأقوم لأغسل وجهي
وحين أنزل على السلالم ببطء
وأقف لأعد قهوتي
أرى في فنجاني إحدى نكاتك
وضحكةٌ لك شاردة من سجن الذاكرة
وحين أسمع المغني يلفظ إسمك بدل الكلمات
فأن كل ما بداخلي يبكي وعيوني جافة كالصبار
إنها الرابعة فجراً والليل منتصفٌ ابدا
وجهك مازال مصلوباً أمامي يحرمني نومي
ويصلبني
دعني أنام فلقد خارت قوايّ
والقط يتمدد يجرح بمخالبه جفني
جفوني التي صارت على شكل قطٍ أسود
وحزني الذي إتسع ملء الغرفة صار يقطر من نوافذها
يُثخنني بالألم
ألميّ بحجم فيل وأنا بالكاد نملة
وجنود الليل تسحقني
والقط يموء في عيني
ووجهك يحرق نسياني
فدعني أنمّ أرجوك دعنيّ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق