الاثنين، 7 ديسمبر 2020

 التخلف التكنولوجي

لنبدأ بهذا السؤال: هل نحن مجتمع متخلف تكنولوجياً؟ 
قد تُجيب الغالبية بـ نعم وقد يختلف البعض.
نحن كدولة في العالم الثالث، والعراق تحديداً، نعم متخلفون تكنولوجياً. وهذه ليست إهانة لفظية إنما هي حقيقة فعلية حاصلة. ففي حين تتناول عائلة كورية عشائها خارج المنزل، ُيطفئ الأب عن طريق هاتفه الذكي أضواء المنزل التي نسوا إطفائها أثناء المغادرة، تعُاني في القارة ذاتها عائلة عراقية من التكيف مع إستحداث نظام جديد كلياً على المجتمع، وهو التعليم الألكتروني، عن طريق الهاتف الذكي نفسه.

إذاً فنحن نمتلك كل أجهزة التكنولوجيا المتطورة هذه، لكن لم نصل الى التقدم الذي شهدته الهند مثلاً، فبالرغم من الكثافة السكانية للهند وتعدد الطبقات والأديان والطوائف، ووجود مستوى عالٍ من الفقر في مناطق كثيرة، إلا أن الهند تحتل المرتبة السابعة في قائمة الدول المتقدمة تكنولوجياً، سبقت بذلك إنكلترا وكندا.

هذا التخلف التكنولوجي الذي ساد في مجتمعنا، جاء كنتيجة لأسباب عدة أولها سياسية طبعاً، ومن ثم إقتصادية. وعلى الأرجح معاً كسبب واحد لكون السياسة والإقتصاد يعملان كطرفي مقص.
كذلك السبب الأكبر في إعاقة أيّ تقدم للحياة، هي الحرب. أثرت الحروب بشكل كبير على المستوى الإقتصادي في البلد ومنعت من التقدم نحو التطور في أيّ مجال، صناعي، تجاري، زراعي، تكنولوجي، فكري.

كما أن تتابع حكومات الفساد السياسي من عام ١٩٥٨ المنكوب وإستمرار الحروب والصراعات الى اليوم، سبب إعاقة شديدة لأيّ خطوة نحو التقدم، ويمكنني القول بأن هذه الإعاقة تسربت الى التشكيل الجيني للوجه السياسي الإقتصادي للدولة متسببة في تشوه دائم.

وأيضاً الواعز الديني. للدين أثر كبير على الحياة الإجتماعية وحركتها، ولكوننا نعيش في مجتمع ديني -إسلامي-، فقد سيطرت السلطة الدينية على قرارات الفرد والجمهور، ولكون المؤسسة الدينية تعيش حالة خوف وإرتياب من أيّ عنصر دخيل على مجتمعها فإنها تعمل كنظام مناعي ضخم، تضطر الى مهاجمة كل دخيل قد يهدد رعيتها وسيادتها، لتدمره قبل أن ينتشر ويصبح جزءاً من تكوين المجتمع.

هذه الإستراتيجية ظلت سائدة لقرون عدة، على الرغم من بعض التقدم والمرونة الفكرية التي بدأت تدب في روح المؤسسة الميتة. وإزدياد إهتمامها في دراسة الدخيل للسيطرة عليه بدلاً من تدميره، إلا أن الروح الهجومية ترسخت في التربية الجينية للمجتمع الإسلامي.

هذا الخوف الموروث والسائد داخل المجتمع من التكنولوجيا منعها من التقدم، ولا أقول أن مخاوفهم وهمية أو واهية، فعلاً هناك جوانب سيئة فإن لكل نجاح بشري ضريبة تدفعها البشرية بنفسها. ولا يخفى أن للتكنولوجيا سطوة عالمية مسيطرة بشكل واسع مما يزيد من هذه المخاوف، حتى بالرغم من الإستخدام الكبير للتكنولوجيا في الوقت الحالي وبشكل أوسع من ذي قبل، إلا أن غالبية المجتمع لم تتخلى عن مخاوفها وإحساسها بأنها في مواجهة عدو قد ينقلب في أي لحظة.
لماذا أُركز هنا على المؤسسة الدينية؟ في حين أنه من الواضح والجلي لنا بأن المقصر الأكبر هو الفشل السياسي للدولة، أُحمل المسؤولية للدين كونه المؤثر الأكبر في نفس الجمهور، والمتحكم الأول للفرد العقائدي.

وقد يُطرح تساؤلاً هنا، وهو لماذا يُسيطر الدين في مجتمعنا أكثر من القانون؟ من أين جاءت هذه القوة؟ لما هذا التفاوت في السلطة بين الدين والقانون السياسي بالرغم من كون الأثنين صناعة بشرية؟.

في التفسير النفسي لسيكولوجية المجتمع كان الدين الأقرب والأكثر ملامسة للفرد من القانون، كون الدين يقترب الى الإنسان عن طريق الروح، ويُقبل عليه البشر طواعية، بينما القانون يُفرض قسراً وبشكل مادي على الإنسان. فمن الطبيعي أن نشهد هذا الميول القوي نحو سلطة الدين عن سلطة القانون.

إن المؤسسة الدينية أساءت الحكم على التقدم التكنولوجي وبذلك أساءت توجيه السلطة نحو خدمة الصالح العام للمجتمع، على الرغم من السطوة الواسعة التي تملكها على المجتمع إلا أنها فشلت في ضبط السلطة وبالتالي فقدت هيمنتها الكلية على رغبات وطموح أفراد المجتمع. وكانت نتيجة ذلك ظهور فجوات فككت بنيان المجتمع الديني.

بالأخص مع تطور التواصل العالمي بين المجتمعات الأخرى، والتي طرحت تساؤلات كثيرة أربكت أبواب الدين الموصدة منذ قرون، مما إضطر المؤسسة الى إستحداث الأحكام الشرعية والعرفية للدين. حيث تبين أن هذا التكهف وعدم مواكبة العالم، قد كلفها خسارة سلطوية كبيرة للأجيال الحالية والقادمة.

وهنا أريد أن أُضح بأن كل سلطة، أي سلطة، هي قابلة للتقويض اذا كان ما يقابلها هو مجتمع قوي ومتماسك. حتى وإن تعددت وإختلفت الرغبات. فمثلاً كانت هنغاريا في القرون الوسطى تملك نخبة قوية ومتماسكة جداً قاومت سلطة الدولة المركزية وفرضت تسوية دستورية على الملك، وقد كانت النخبة قوية جداً بحيث قوضت الدولة بحد ذاتها بشكل جوهري*.

ولا يخفى علينا بأن السلطات السياسية والدينة قد راقصت هذا الحبل لسنوات عديدة، مستغلة للتعدد والإختلافات والأقليات. من أجل التلاعب بالمجتمع وزيادة فرض السيطرة. على حساب وعيه.

ومع التطور التكنولوجي الذي فتح بوابة نحو العالم، إزداد وعي العامة بما يحيطهم ومايحدث في الوقت الحالي حول العالم في مجتمعات مختلفة التركيب من حيث التاريخ الفكري والحضاري. وما حدث في مجتمعنا من محاولات سريعة وغير صحية لمواكبة التقدم التكنولوجي الحاصل وتعويض هذا التأخير، قد أربك طبقات المجتمع ووضعه في حالة قلق ودفاع دائم، بالتالي لم يُحسن دراسة وفهم التطور التكنولوجي للسيطرة عليه وتوظيفه توظيفاً صحيحاً من شأنه أن يدفعنا نحو التقدم.

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2020

 ‏بالرياح. يعصفُ الليلُ بقلبي

‏"أعرفُ الطرق التي سنضيعُ فيها مرتين"

‏بخطوتينِ بنغمتين

‏يعزفُ الحزنُ لحناً قديماً،

‏ويتلو تراتيل الحنين

‏ليس عندي لهذا الليل طوفٌ

‏ليس عندي لهذا الضياعِ سوى تهويدتين

‏ظلك وصوتك، فوق حريرِ قلبي،

‏قلبيَّ الهشُ كالطين،

‏يعرفُ الطرق التي سنضيعُ فيها مرتين.

أنا مهزومٌ من أول جيشيّ  حتى آخر فرسانيّ