الأربعاء، 19 أغسطس 2020

 آدمٌ واحدٌ للموت لا يكفي

رجفةُ الطيرِ تتنبأُ بسقطةٍ أخرى

الأرضُ بدهشةٍ تحتضنُ

نازلاً إليها من علياءِ النعيم

هناك حيثُ وقفَ لمرةٍ أولى

يتعلمُ قبل المشيّ إتقانَ السقوط

-هذا منزلُ خطيئَتِك، اليومَ شريعَتُك الهاوية-

وحدهُ باقٍ للأرض، لِحافهُ السماء

ما من أحدٍ يُعلِمهُ سِرَ الأسماءِ

 يُرشِدهُ منبعَ المّاءِ

مَنبَتَ البَذرِ

لُغَةَ الطيرِ

-وحدك اليوم متروكٌ. للصَخرِ، للريحِ العاتية-

آدمٌ واحدٌ للطريق لايكفي

ساقي المياه

يغرفُ من النهر بالجرةِ أو الإناء

الأمُّ تطلي المَهدَ بالقار

النهرُ يحمِلُهُ

الأُختُ تَحرِسُهُ

البِنتُ تأويهْ

-دونما وطن، أهلُكَ الغربةُ والسفر، طريقُكَ اليوم خاويةْ-

ليلٌ واحدٌ للعَدِ لا يكفي

أربعون مرت وهو يعدُ الخسارات

بخُرقةٍ من كُمِّ رِداءهِ

يَعصِبُ موسى رأسهُ، يصعدُ نحو الجبل

عصاهُ تشيرُ الى المكانِ ولا مكانْ

كُلمّا خاطبهُ رعدٌ

غشاهُ خوفُ

تعددت قِصةُ أصلهِ وأسبابُ السفر

ربما رَجعُ الصدى ناداه

ربما سَمِع شيئاً من نميمِ السَهَر

شعبُهُ في المحفلِ يأكلونَ لحمهُ

وفِرعَونَ رهبتِهِ غارقٌ في الماء

هل كان وحدهُ؟

هل رافق الحبُ رحلتهُ؟

حبهُ الذي أبداً رافق ظِلهُ

عند الساقيةِ

تحت الشجر

-إخلع نَعل الخطوةِ فنُبوتُكَ اليوم حافية-

قلبٌ واحدٌ للكسرِ لا يكفي

وحشةُ الدربِ تشرحُ حيرة موقفهِ

هل كان زييفاً ذلك الوعدُ؟

هل غاب عنه كليمَهُ الصوتُ؟

هل ظل متروكاً لوحدتهِ

موسى ما زَلَتّ بهِ قدمُ الشكِ عن موضِعها

ما كان الإيمانُ سليلَ رحلتهِ

-في الصبحِ تُصرر روحك أربعاً، وتعود ليلاً أشلاؤك نائية- 

قِصةٌ واحدة للطريق لا تكفي

في العهدِ القديم

سّومَر تكتبُ نبوءَاتِ الطيرِ

تخلقُ للإنسانَ القلم

سِرجون حماهُ السِفطُ

لم يشهد رهبةَ أُمِهِ

النهرُ يلدهُ

ساقي المياه يأويه

وكما نباتُ أبيه تنمو أكدّ

-هنا ألواحُ الإلهِ الأولى كُتِبت، مهبطُ الحرف من سماءهِ العالية-

موتٌ واحدٌ للتاريخِ لا يكفي

مسلاتُ الشعرِ شاهدةً

عيلام تستبيحُ قداسةَ ماءِها

تأكلُ خُبزَ حضارتِها، تكسِرُ القلم

ننگالُ ترثو مدينَتَها، بشِعرها وشَعرِها

بحسرتِها بدموعِ المُقتَلينَ من أهلها

تكتبُ بالدمّ

-هذا قدرُ التاريخِ، أن يُكتب بالدماءِ الجارية-

موتٌ واحدٌ لآدم لا يكفي

وطريقُ السماءِ مملوءٌ بالسقوط

الأرضُ بصيحةٍ كُبرى

تتبرأُ من الجُثثِ النازلة

مشهدُ العودةِ موحِشٌ

هناك حيثُ وقفَ لمرةٍ أخيرة

يتعلمُ قبل الموت إتقانَ الوقوف

أنا مهزومٌ من أول جيشيّ  حتى آخر فرسانيّ