من و إلى محمود درويش
"في عالمٍ لا سماءَ لهُ تصبح الأرضُ هاوية
والقصيدة إحدى هباتِ العزاء"
لابد من نثرٍ إذاً : قال شاعرٌ وسافر نحو اليمامة
ترك بابَ القصيدةِ مفتوحٌ لكلِ سائلٍ وضائعٍ وسائرٍ في زِحامهْ
ترك ضريحاً مُعداً لأيّ كلام
ترك هنا تحت بساط اللغةِ مفاتيحَ الكنايةِ
كُلها، وتركنا لأوجاعنا ترك الحكاية
من يروي الحكاية إذن؟ نحن أبناء الكلام
ولدنا للكذبةِ والى الكذبةِ نعود
لابد من نثرٍ : قال شاعرٌ
وأخذ القصيدة وسافر أخذ الوعود
"أنرجعُ من حيث ضعنا؟ الى أين يرجعُ هذا الكلام الى أي باب؟"
الى أين تأخذنا اللغة الضائعة
في الأرض الضائعة ولدنا لليباب
العالمُ حولنا أضغاثُ أوهام. كُلاً غارقٌ
في معبدِ شكهِ العالي. من يروي الحكاية
إذن؟ ألسنةً كثيرةً ولا كلام
"أنا من تقول له الحروف الغامضات أكتُب تكُنّ"
لكنني عابرٌ بين عابرين جاءوا ليدنسوا محراب القصيدةِ، أنا يا ربَّ القصيدةِ غُصنّ
مكسورُ، وأرض شعري قاحلة
والماء حولي جفت معابره
لا سماء أروض بها يمامات الكلامِ
لا بنفسج يطلُ من شُرفةِ الكحايات على قلبي
هنا لا إقحوان. ولا لازورد في هذا المكانِ
وأنا من هذا المكانِ سيدي تربيت
على الفقدِ والفقرِ لأكبُرَ وتكبُرَ معي فجوةُ البيت
الذي حرم فيه الغناء والعناق، لنّنكسر
وإنكسرتُ دونما حضنٍ ليأوي أغصاني الكثيرة
لأغفو على متكأ الساعات ليلةً قصيرةَ
الصحوِ طويلة الحُلمْ، ليأخذني الحُلم الى بواطن نفسي روحاً خفيفة
تصعدُ الى الملكوتِ العالي لتسقُط وأُكمِل الحُلمَ سيراً على آمالي الصغيرة
وأعبرُ أبواباً تُفضي الى أبواب
المدخلُ الى ملكوت الكلامِ ضيقٌ
والسماءُ لا تعدُ سوى بالسرابِ والسرابُ وحدهُ يرى ما لا نراه
يا الله يا الله
بارك لنا هلاكنا
وإغفر لنا فقرنا وغناك
"جربناك جربناك" قال شاعرٌ وسافر لمثواهُ البعيدة
وأُجربُ بابً أخرى علّ حظي يتسعُ
أمشي الى داخلي حيث الشتاءُ أمشي
الى البردِ داخلي أبتعدُ
أمشي وعيني على الطريقِ وظهري محدبٌ كبوصلةٍ
مكسورةٍ، ويدايَّ تضمُ قلبي أمشي نحو حتفي
عارفاً بمصيري ومصيري كمقصلة
أمشي خائفاً خائباً هارباً من ضياعي أُغني
للطريقِ خِلسةً لئلا تسمعني جنيةُ الليلِ
فتشربُ من بحر إنتظاري
وإنتحاري في إنتظاري
ومنفايَّ فيَّ أنا منفايَّ ومنفيٌ أنا في هذا المكانِ
وهذا المكانُ منفىً وأرضُ الشعرِ مأوايَّ
"غريبٌ أنت في معناك"
وحدك نحو حتفكَ كُنتَ سائراً وحدك لا إلاكّ
ووحدي نحو حتفي أسير وحدي لا إلايّ
ولا أحمل لهذا الطريقِ غير خوفي وبردُ يدايّ
وقلبي، ماسلكنا وإياهُ غير سككِ القطارات
الطويلة. ما سلكتُ يوماً طريق الإختصارات
أنا الذي ربتني الإنتظارات
أحببت دوماً طرق السفر الطويلةِ نحو الغيابِ
سافرتُ في بحر عينيكَ سافرتُ في ليلك وأحلامك والحالك من ظلامك
سافرتُ نحو مدنٍ غريبةٍ أبحثُ عن قصيدة
"لا عُمر يكفي كي أشُدَ نهايتي لبدايتي"
وأبني من أنقاضِ عُمري مأوىً من السُراق
والشاعرُ يصرخُ "أخذ الرعاةُ حكايتي"
"وإنتصروا على النسيان بالأبواق"
ويأخذني هلعي الى بابٍ أخرى
هنا موتي وموت ذكراي وأحلامي هنا توسد الترابُ جسدي بين القبور مُلقى
وذاك ملاكٌ جاء يقبضُ نور روحي بقنديلي
وروحي مشدوهةً نحو جناحهِ لا مفر من موتيَ لا مفر "فالموت أكبر من مزاميري"
"نامي.. عيونُ الله نائمةً" روحي وتوسدي إكليلي
نامي.. عيونُ الشُعراءِ نائمةٌ وقلبهم نائمٌ وضميرهم نائم
وأفواههم لا تصحو إلا على غزلِ الحمامِ
نامي فالشعرُ صار هوايةً تمضغُها أفواهُ الصغارِ
"أما من شاعرٍ يُقاسمُني فراغ التختِ في مجدي؟"
"كأني لا كأنّي
لم يمُت أحدٌ نيابةً عني"
فلما أحمل الموت وراثةً وأنا لم ألد ولداً ليرث الموت مني
يقولُ الشاعرُ ويغيبُ في غيابه. ويتلاشى
رويداً رويداً في سرابه. ويأخذ نردهُ معهُ ويترك قصائدهُ اليتيمات تنعى شاعرها في ترابه
فعُد لتعودَ القصيدةُ وعُدّ إليَّ من مثواك
عُد من حيثُ غِبتَ من أقنعك بالرحيلِ من أغواك؟
من رافق كفيّك الحنونةَ في مضجعها؟
من حملَ لك الجرائد لتقرأها؟
من أعدّ لك بُنَ قهواك؟
وحدك كنتَ كما تنبأتَ وكما شِئتَ أن تكون وحدك وكم كنتَ وحدك
في قصائدك وفي معراجك فوق أرضِك
وحدك ترمي بنردك قلبي فتصيبني بحُمى الشعرِ
فعُد.. "ترفق بيَّ
وعُدّ من حيث مُتّ لعلنا نجد الجواب فمن أنا وحدي؟"
٣ يناير ٢٠٢١ - بغداد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق